قراءة نقدية في خطة التنمية الوطنية 2018-2022/2018

قراءة نقدية في خطة التنمية الوطنية 2018-2022

عدنان الجنابي 
 آب 2018           

     ليس من عادتي بذل الجهد لقراءة الخطط الخمسية بإمعان، ليأسي من جدواها، خاصة بعد الخطة الخمسية الأولى بعد الاحتلال الأمريكي (2010-2014) لقناعتي بأن السلطة التنفيذية لا تلتزم بتلك الخطط. ولكن عند البحث في النصوص المتعلقة بمراجع بحثنا (أحلام الإقتصاديين: فشل في الفكر الاقتصادي في رسم طريق الخلاص من الدولة الريعية) وجدت أنني لا بد أن أراجع بعض الخطط التنموية منذ تأسيس مجلس الإعمار عام 1950 الى اليوم.
     ومن خلال قرائتي لخطة التنمية الوطنية 2018-2022 وجدت بالإضافة إلى "الأحلام" الكثير من المفارقات والخلل ما يستحق أن ادقق فيه وأشارك أصحاب الإهتمام في ما توصلت إليه أثناء قرائتي النقدية لهذه الخطة.
     تبدأ الخطة بالإفصاح التالي:
     "بعد قرابة عامين من العمل الحثيث والممنهج للكوادر الإختصاصية في وزارة التخطيط، وبمشاركة فاعلة من كافة الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات وممثلي القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والخبراء من الأكاديميين... أنجزت هذه الوثيقة الوطنية".
     وتؤكد الوثيقة بأن "خطة التنمية الوطنية 2018-2022 خطوة للإنطلاق الأوسع في رحلة التنمية المستدامة (رؤية 2030)".
     إذاً نحن أمام جهد كبير إستغرق سنتين. وبطبيعة الحال أن هذا الجهد أخذ بنظر الإعتبار تجربة العراق منذ مجلس الإعمار (1950) مروراً بخطة 2010-2014 وخطة 2013-2017، كما أنها تستشرف المستقبل إلى عام 2030، وتؤسس له.

نفط بلا خطة، وعراق بلا إقليم

     أول ما يلفت النظر أن الخطة مرت على النفط، وخاصة إستخراج النفط الخام، مرور الكرام، وهو عصب الاقتصاد. ولا إشارة كمية محددة سوى أن إنتاج النفط في نهاية الخطة سيبلغ (6.5) مليون برميل يومياً. وليس هناك إشارة إلى المتطلبات الإستثمارية لهذه الزيادة أو التحول السنوي للزيادة.
      ونجد في تقديرات إيرادات النفط بموجب تقديرات لجنة إستجراتيجية الموازنة إنها ثابتة عند (74) ترليون دينار لطوال السنوات الخمس للخطة، دون أن تأخذ الخطة بنظر الإعتبار فرضيتها بزيادة الإنتاج إلى (6.5) مليون برميل يومياً. 
      هذا بينما تقول وزارة النفط أن إنتاج العراق عام 2022 سيبلغ (7.5) مليون برميل يومياً.
     في هذه الدوامة تكون الخطة في وادي والنفط في وادي، ونحن لا نجد للقطاع الذي يشكل 80%-90% من إيرادات الدولة معطيات كافية للنقد والتحليل.
     كما أن الخطة لا تشير إلى الإقليم سواء في قطاع النفط أو سواه، إذ أن معظم أرقام الخطة نجد إزائها عبارة "عدا إقليم كردستان". فهل العراق بلا إقليم أم أن الإقليم بلا عراق؟

أهداف الخطة:

     وضعت الخطة أهدافها أو "أعمدتها" كالتالي:
1- إرساء أسس الحوكمة، وما يرتبط بها من ركائز ومقومات.
2- تطوير القطاع الخاص كمرتكز أساسي للنهوض والتنمية.
3- إعمار وتنمية المحافظات ما بعد الأزمة.
4- التخفيف من حدة الفقر متعدد الأبعاد في جميع المحافظات.
     ويعتبر وزير التخطيط في مقدمته للخطة أن "العمود" الثاني للخطة –القطاع الخاص- هو الأداة المحولة لسياسات التنويع الإقتصادي.
     نجد في الخطة، رغم إرتباك الأرقام والمؤشرات فيها، أنها مبنية على المزيد من الهيمنة لقطاع النفط على الإقتصاد سواء بمكونات الناتج الوطني الإجمالي (GNP) او المساهمة في الموازنة العامة للدولة. حيث تزيد حصة النفط في الموازنة من 85.3% إلى 87.3% حسب تقديرات وزارة النفط للعائدات.
     هذه الخطة، ورؤياها الإستشرافية إلى عام 2030، تخطط للمزيد من الوقوع في الفخ الريعي، وليس إلى التنوع في مكونات الإقتصاد الوطني وتوازنه!
     وعندما ندخل في قراءة الخطة نجد تقويماً لأداء الخطة السابقة 2012-2017، والتي فشلت في كل أهدافها تقريباً. وتعزي الخطة التي أمامنا ذلك الفشل إلى إنخفاض أسعار النفط وإنشغال الدولة بمحاربة داعش والتصدي لأزمة النزوح.
     إحدى أدوات التخطيط هي وضع بدائل وأدوات لمجابهة المتغيرات (Contingency planning). فلو تم وضع مبالغ من إيرادات النفط في صندوق خاص لإستقرار الموازنات السنوية لما كان إنخفاض أسعار النفط تسبب في كل ذلك الإرباك في موازنات 2014 وما بعدها. وعندما إنخفضت أسعار النفط عام 2008 قلنا للحكومة أن تقلبات أسعار النفط مستمرة وينبغي وضع نسبة من إيرادات النفط في صندوق خاص لتعويض الموازنة إزاء تقلبات الأسعار. وزيادات الأسعار من عام 2009 إلى عام 2014 كانت ستوفر أموالاً تفوق ما نحتاجه لإستقرار موازنات 2015-2018 والتي زادت الدين العام إلى حوالي (130) مليار دولار، يستنزف تسديد فوائدها أكثر من (12) مليار دولار، ستزداد حتماً في السنوات اللاحقة لإرتفاع إستحقاقات التسديد والفوائد المترتبة على الديون. ما الغرض من "التخطيط" إن لم يكن إستيعاب المتغيرات وتجاوزها؟
     الخطة الحالية تقع في نفس الإشكالية، إذ أنها لا تخطط لتوازن تقلبات أسعار النفط المستقبلية، وهي حاصلة حتماً.
     ولا نجد في الخطة تفصيل لتحقيق ركن "الحوكمة" والحكم الرشيد... وهي أولى مقوماته القضاء على الفساد. ويبدو أن التركيز ينصب على الحكومة الإلكترونية دون غيرها من أدوات الحكم الرشيد.

قراءة نقدية

     يمكن تلخيص أهم إعتلالات الإقتصاد العراقي بما يلي:
1- البطالة... وما يتفرع منها بإتجاه الفقر وتفاقم فوارق الدخل.
2- الإسكان... وما يرتبط معه من عشوائيات ودمار المدن المحررة، وما ينجم عن كل ذلك من تفكك الأسرة وتراجع السلم الإجتماعي.
3- التعلم... سواء ما يتعلق بالأبنية المدرسية أو مستويات التعليم في كل مراحله والتسرب المتزايد في الإلتحاق بالتعليم.
4- المياه... سواء ما يتعلق فيها بمياه الشرب (الأمر الذي يتطلب الذهاب إلى تحلية المياه في الجنوب) أو الزراعة التي ينبغي أن تحقق الأمن الغذائي، كما يرتبط بموضوع المياه إحتياجات الصرف الصحي والتلوث البيئي.
5- القطاع الخاص... وإشكالية طبيعة الإقتصاد العراقي. والإنتقال من رأسمالية الدولة إلى إقتصاد السوق.

1- البطالة

     زادت البطالة بإستمرار من 2003 إلى اليوم. وتقر الخطة بأن نسبة البطالة إزدادت من 10.6% عام 2014  إلى 10.8% عام 2016، وإن أعلى نسبة هي بين الفئات العمرية 15-19 سنة بنسبة 24.5%. وتدعي وزارة التخطيط أن نسبة البطالة بين الإناث هي 21.9%.
     إن إحصائيات وزارة التخطيط، وتعريفها للبطالة، يحتاجان إلى مراجعة نقدية جادة. فبينما تقر الوزارة بأن نسبة الفئة النشطة إقتصادياً بين الإناث هي 16% فقط. نتسائل أين ذهب 84% من النساء؟ وهل هن ضمن إحصائيات البطالة البالغة 21.9% للإناث؟
     وفي مكان آخر تشير الوزارة أن البطالة "الناقصة" بلغت 28.2%. وإذا أضفنا لها أكثر من نصف العاملين في الدولة من غير المنتجين، تصبح البطالة المقنعة والبطالة المطلقة أكثر من 50% للذكور وحوالي 75% من الإناث.
     هذا الإختلال الهيكلي في المشاركة بالنشاط الإقتصادي يتطلب ثورة في المفاهيم وثورة في الأساليب. الخطة الحالية كسابقاتها (إن نفذت) سوف تؤدي إلى المزيد من البطالة بمختلف أشكالها، وخاصة بين الشباب والمثقفين منهم بالذات. وهذه الإشكالية ليست عراقية، وان كانت أبعادها في العراق أخطر من بقية الدول العربية، والدول الريعية النفطية عامة. وقد تسائل الدكتور عمر الرزاز (رئيس وزراء الأردن حالياً) في أطروحته عن "الطريق الصعبة نحو عقد إجتماعي عربي جديد": "كيف نفسر فشل الدول العربية قاطبة في خلق فرص عمل كافية للشباب؟"
     ونتسائل نحن: متى يعي المخطط العراقي عمق مشكلة البطالة؟ وكيف نفهم بطالة الشباب المثقف؟ وما الحل لإشراك الإناث في العمل المنتج؟

2- الإسكان

     تقول الخطة أن العجز في وحدات السكن عام 2016 كانت (2.5) مليون وحدة سكنية. وأن العشوائيات بلغت عام 2017 (522) ألف وحدة سكنية. ولا توجد إحصائية لعدد الوحدات السكنية المدمرة من جراء العمليات العسكرية، وإن كان البعض يقدرها بأكثر من نصف مليون وحدة سكنية بين مدمرة بالكامل أو جزئياً.
     إذا أخذنا زيادة السكان السنوية البالغة أكثر من مليون نسمة بنظرالإعتبار، تقدر الحاجة السنوية للعوائل المنشطرة (5 أفراد للعائلة) إلى (200) ألف وحدة سكنية سنوياً. 
     عدد إجازات البناء إنخفض من (22) ألف إجازة عام 2013 إلى حوالي (17) ألف إجازة عام 2016! وبطبيعة الحال فإن هذه الإجازات لم تنفذ كلها. أي أننا طوال الخطة الخمسية السابقة (وسابقاتها) كنا نضيف ما لا يقل عن (250) ألف وحدة سكنية إلى العجز الذي كان عام 2013 (1.7) مليون وحدة سكنية (عدا إقليم كردستان!). ويبلغ اليوم قرابة (3.5-4) مليون وحدة سكنية. هذا عدا التقادم والإندثار الذي يضيف إلى الفجوة الإسكانية.

     أما الحلول التي تعدنا بها الخطة فهي:
الهدف الأول: إنجاز 700.000 وحدة سكنية (عدا إقليم كردستان).
الهدف الثاني:       100.000 وحدة سكنية "مدعومة".
الهدف الثالث:      100.000 وحدة سكنية للنازحين.
     وإذا إعتبرنا أن هذه الأرقام تراكمية، فإن الخطة تعدنا بتوفير (900.000) وحدة سكنية خلال خمس سنوات. علماً أن الزيادة السكانية وإنشطار العائلة وحده يتطلب إضافة مليون وحدة سكنية خلال سنوات الخطة. أي أن "الخطة" تعدنا بزيادة الفجوة الإسكانية وليس إلى ردمها.
     من المعروف أن أكثر القطاعات تشغيلاً للعمالة وللإقتصاد عموماً هو قطاع الإسكان والإنشاءات. ويحتاج تنشيط قطاع الإسكان إلى عنصرين، هما توفير الأرض للمستثمرين، وتحمل الفوائد على القروض. وتوفير الأرض لا يتطلب كلفة إضافية لأن الأراضي العائدة للدولة يمكن تخصيصها للإسكان ومنحها (بشروط) للمستثمرين على أن توفر الدولة البنى التحتية (طرق، مجاري، كهرباء) إلى حدود المجمعات الإسكانية. وينبغي أن يسمح البنك المركزي للمصارف الخاصة بإستعمال إحتياطي الإيداعات الإلزامية التي يحتفظ بها البنك المركزي بدون فائدة، والسماح للمصارف بإقراضها لأغراض السكن بدون فائدة.
     إن مثل هذه الخطة تمت المناداة بها منذ عام 2008، وقامت لجنة من مجلس النواب بإعداد قانون خاص بالمشروع عام 2012 وإعترضت عليه الحكومة. وتجددت المحاولة عام 2015، ولكن الحكومة تصر على أن الأجهزة الحالية والقوانين النافذة قادرة على تنفيذ ما يدعو إليه القانون المقترح. ولا ندري ما الذي يمنع الحكومة لحد الآن من البدء بردم الفجوة الإسكانية.
     لا شك أن اهم سبل القضاء على البطالة هو المضي بمشروع جريء يوفر ما لا يقل عن (500.000) وحدة سكنية سنوياً ويوفر عملاً لأكثر من (3) ملايين عاطل في كل المجالات من الهندسة إلى الرمل.

3- التعليم

     تقول الخطة أن الدولة خصصت للإنفاق على وزارة التربية (لوحدها) 6.2% عام 2010 و(7.4) عام 2014. هذا بينما لم توفر موازنة 2018 سوى 3.9% للتربية والتعليم مجتمعتين! نحن نسير إلى الوراء في هذا القطاع الذي يتهالك يوماً بعد يوم، خاصة بعد أن هدمت وزارة التربية  آلاف المدارس عام 2012 ولم تبنى مدرسة واحدة بعد أن تم (لفط) ما يقارب (600) مليار دينار من قبل شركات وزارتي الإسكان والتعمير والصناعة، التي أحيل عليها بناء المدارس، ولم يتم بناء مدرسة واحدة.
     وقبل ذلك تم (لفط) حوالي (300) مليار دينار خصصت لبناء المدارس في زمن وزير التربية الأسبق خضير الخزاعي، وبقي منها على الأرض بعض الهياكل الحديدية، ولكن لم ينجز بناء مدرسة واحدة بالكامل.
     تقر الخطة الحالية بأن النقص في الأبنية المدرسية هو أكثر من (8) آلاف مدرسة. ولكن الخطة تعدنا ببناء (3.000) ثلاثة آلاف مدرسة خلال سنوات الخطة. أي بواقع (600) ستمائة مدرسة سنوياً. وإذا أخذنا زيادة السكان، فإننا سنجد أن أكثر من مليون طفل إضافي يلتحقون بالمدارس كل سنة، لذا سنحتاج إلى حوالي (2000) ألفي مدرسة إضافية سنوياً، إذا إعتبرنا أن الحد الأقصى لإستيعاب البناية المدرسية الواحدة هو (500) خمسمائة طالب. وهكذا فإننا نخطط لزيادة النقص في الأبنية المدرسية إلى (15.000) خمسة عشر ألف مدرسة عام 2022!
     والتعليم لا يقتصر على الأبنية المدرسية فحسب، ولكن أهم عنصر فيه هو المعلم من جهة، وتشغيل وإنتاجية مخرجات التعليم من جهة ثانية. ولكن توفير الأبنية المدرسية بواقع (4000) مدرسة سنوياً سوف يسد الفجوة في الأبنية المدرسية ويخفض من عدد الطلبة في الصف الواحد مما يرفع من كفاءة التعليم. وهذه الخطة تتطلب تخصيص ميزانية إستثمارية لوزارة التربية بحدود (500) مليار دينار أي أقل من (0.5%) نصف من واحد بالمائة من الموازنات التقديرية للسنوات الخمس للخطة.

4- المياه

     من الواضح أن خطط الصرف الصحي، رغم تلكؤ الكثير منها، تتقدم بسبب الضغوط المختلفة بما فيها الإحتجاجات التي رافقت صيف هذا العام. وكذلك، الربط بشبكات الماء والتي قد تتحقق بعض أهدافها خلال مدة الخطة.
     المشكلة في المياه هي:
- أولاً: كمية المياه الواردة من تركيا وإيران.
- ثانياً: مشكلة ملوحة المياه وتلوثها في البصرة خاصة، والمدن الجنوبية عامة.
     لا توجد خطة واضحة لتعظيم الإستفادة من المياه المتاحة بالتقنيات الحديثة في الزراعة (رش وتنقيط) ولا في تحديث شبكات وتفرعات الأنهر للحد من الضائعات والتبذير (التبطين والأنابيب في بعض الأحيان) والحد من الأنشطة والمزروعات الهادرة للمياه (الشلب وبحيرات الأسماك خارج المسطحات المائية).
ولا يوجد في الخطة أي إشارة إلى تعظيم الإستفادة من مياه الأمطار وحصاد المياه في السدود الصغيرة وطرق الإستفادة من المياه الجوفية!
     أما تحلية المياه في المنطقة الجنوبية والبصرة خاصة، فهي غائبة عن الخطة. ينبغي للعراق الدخول من خلال الإستثمار، ببناء محطات عملاقة على المنافذ البحرية لبناء مجمع ينتج ما يقارب ثلاثة آلاف ميكاواط من الكهرباء ويحلي من ماء البحر ما يكفي لسكان البصرة المتزايدين بإتجاه الخمسة ملايين نسمة حسب بعض التقديرات.   
     وأوردت الخطة ضمن "الهدف الرابع" في باب "قطاع الزراعة والموارد المائية" –"العمل على توفير موارد مائية مستدامة" ما يلي:
1- التوصل إلى إتفاق مع دول المنبع...
2- إنعاش الأهوار وتنميتها.
ولا ندري كيف سيوفر "إنعاش الأهوار" موارد "مائية مستدامة"!

5- القطاع الخاص

     بعد إجراءات تأميم جميع مرافق القطاع الصناعي والمصرفي في عام 1964، أصبحت الدولة مركزية (إشتراكية) تتمثل فيها جميع صفات الدولة الريعية المبنية على رأسمالية الدولة.
     بعد الحروب وقلة موارد الدولة تم بيع مشاريع الدولة في القطاع الزراعي  عام 1986 بعد أن وجدت لجنة متخصصة أن جميع هذه المشاريع خاسرة.
     في الفترة بين عام 1998-2000 أتيحت لي الفرصة لدراسة كفاءة الأداء في الشركات الصناعية المملوكة للدولة بالتعاوان مع فريق متخصص من ديوان الرقابة المالية. وكان يتعاون مع هذا المجهود الأستاذ يعقوب شونية الذي كان يشغل منصباً مهماً في وزارة الصناعة وكذلك الدكتور سامي الأعرجي، رئيس هيئة الإستثمار حالياً. وقد وجدنا أن جميع الصناعات التي تمت دراسة أدائها كانت تستنزف من المال والمواد الأولية بأكثر من قيمة منتجاتها.
     بعد عام 2003، وإبان الحكومة المؤقتة أسس رئيس الوزراء، الدكتور إياد علاوي لجنة إقتصادية ولجنة للخصخصة. ورغم أن اللجنة الإقتصادية كانت تؤدي عملاً مهنياً في التخصيصات والإستثمارات، إلا أنها لم تقم بعمل يذكر في مجال الخصخصة. وتم حل اللجنتين بعد إنهاء عمل الحكومة المؤقتة عام 2005.
     قامت هيئة المستشارين عام 2013 بأوسع دراسة عن الإصلاح الإقتصادي وسبل تفعيل دور القطاع الخاص وسبل معالجة أوضاع الشركات المملوكة للدولة. وصادق مجلس مجلس الوزراء على الخطة... ولم تنفذ.
     وفي عام 2015 وقامت هيئة المستشارين أيضاً وبالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء بوضع آلية لتنفيذ إستراتيجية تطوير القطاع الخاص ومعالجة أوضاع الشركات المملوكة للدولة، ولم ينجم عن ذلك شيء ملموس.
     الخطة الحالية تبشرنا ب"الشروع بإعادة هيكلة الشركات العامة المملوكة للدولة... ودراستها حالة بحالة، وتحويل ملكية (أو إدارة) بعضها إلى القطاع الخاص. ويمكن الشروع بإعادة هيكلة عدد محدود من هذه الشركات".
     هكذا يكون التخطيط بعيد المدى وإلا فلا !... ولربما نصل عام 2030 ونحن "نشرع بدراسة" موضوع رأسمالية الدولة، وطبيعة الإقتصاد الريعي في العراق الذي لا يسمح بطبيعته بنشوء قطاع خاص إنتاجي وحيوي وطبقة متوسطة غير طفيلية وغير معتاشة على فتاة السلطة.    
     من عناصر رأسمالية الدولة إستحواذ مصرفي الرافدين والرشيد على قرابة 80% من العمل المصرفي الداخلي، وإستحواذ بنك التجارة (T.B.I) على قرابة 90% من عمليات التحويل الخارجي المصرفي.
     ما لم يوضع حد لإحتكار هذه المصارف الثلاثة، فلن يكون هناك قطاع مصرفي سليم يأمن له القطاع الخاص ويساهم في تطوير إقتصاد السوق ويتفاعل معه.

فشل التخطيط... والتخطيط للفشل

     أول خطة جدية وضعت للتنمية الإقتصادية في العراق كانت خطة مجلس الإعمار ومشاريعه. تأسس مجلس الإعمار عام 1950، وبدأت أعماله فعلياً عام 1953، وانهيت بإنقلاب 1958. ودخل العراق بعد ذلك في "الخطط الخمسية" منذ إنشاء وزارة التخطيط بعد إنقلاب 1958. وعند مراجعة "الخطط الخمسية" منذ ذلك التاريخ نجد أن أفضلها وأكثرها مصداقية هي خطط مجلس الإعمار والتي كانت لا تخطط لعموم الإقتصاد بل إلى الإستثمار في البنى التحتية والمشاريع الإستراتيجية، ولم تكن خمسية، وإن كان عمر الدورة الأولى لها هي خمس سنوات بين عام 1953 و1958.
     لا مجال لإستعراض جميع الخطط الخمسية منذ عام 1958 إلى اليوم، ولكن بالإمكان القول أن المنجز من تلك الخطط يتدنى بإستمرار، ويمكن إعتبار "خطة التنمية الوطنية: 2018-2022" أسوأها بتمديد الخط البياني للتدني بالأهداف وبنسبة التنفيذ منذ عام 1950 إلى اليوم.
     

     وبمقياس التطور التاريخي لخطط التنمية في العراق منذ سنة 1950 ولحد الآن إبتداءً بالتعويض عن الإستيراد (Import Substitution) مروراً بالتنويع الاقتصادي (Diversification) وصولاً إلى التنمية المستدامة (Sustainable Development) فإن الظاهرة السائدة والجلية هي تزايد قبضة الفخ الريعي على الإقتصاد العراقي، حتى أصبح الإقتصاد غير النفطي يكاد يكون معدوماً في الموازنات السنوية للحكومة، وفي أدنى نسبة في المساهمة في الناتج الوطني الإجمالي (GNP).


      من الناحية العملية نجد أن التخطيط في وادي والتنفيذ الفعلي في وادي آخر، إذ أن الخطة لا تعدو أن تكون سردية إنشائية تكتب لكي ترمى في القمامة.

ملحق: مقترح قانون المؤسسة العامة للإسكان /مبدع
   


     

     


مركز البحوث والدراسات العراقية
© 2013 جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير Mirage Telecom