موازنة العراق 2018 / النشر 2017

 

موازنة العراق 2018

 

   مرة أخرى يتكرر ألاسلوب الرقمي المفكك في عرض الموازنة. ينبغي ان تكون الموازنة وسيلة لعرض سياسة الحكومة المالية (والنقدية) ضمن أهداف واضحة ومفهومة لتوجهات الحكومة الحالية والمستقبلية.

العراق في أزمة مالية، خاصةً بعد إنهيار أسعار النفط منذ عام 2014. وكان يجب على الحكومة مراجعة حساباتها بإعتبار أن مستوى أسعار النفط سيستمر بمعدلات لا تختلف كثيراً عن ما هي الآن، مع حتمية عدم الاستقرار الذي غالباً ما يرافق تقلبات أسواق النفط.

في مطلع عام 2015 تم نشر رؤيا حول موازنة 2015 وكيفية الخروج من الأزمة والخطوات اللازمة للإصلاح الاقتصادي فيما بعد(1). وبعد مرور ثلاث سنوات، وكثرة الدعوات للإصلاح، لا نزال ندور في نفس الفلك، ولا تزال الموازنات تعكس تخبطا لا يمكن اعتباره رؤيا إستراتيجية مفيدة. ان الحرب على داعش ومشاكل النزوح، ومشكلة الحكومة الاتحادية مع إقليم كردستان هي أسباب للصحوة والجرأة في وضع إستراتيجية للخلاص من الدولة الريعية، لا أن تؤخذ هذه المشاكل، على جسامتها، كشماعات لتبرير إنعدام الرؤيا.

تعتبر الأزمات والحروب,وحتى النكبات، فرص لاستنهاض الشعوب والحكومات لنفض غبار الترهل والخلاص من أسر الريع النفطي المتقلب للبدء بخطوة عقلانية في موازنة 2018. فالشعب الذي تحمل المآسي والفقر والنزوح بصبر وتماسك إجتماعي، يستحق منا أن نحترمه ونوفيّه حقه في الإصلاح، لا أن نلقي  باللائمة عليه.

  فهناك إصلاح يبدأ بإنقاذ النازحين والفقراء (بلغت نسبة الفقر أكثر من 40% من السكان) بإحالة جزء من التبذير في مجالات ليس فيها سوى الفساد والهدر والتزوير، مثل:

- البطاقة التموينية.

- الرعاية الإجتماعية.

- تسعير النفط الخام للداخل وتعويم أسعار المنتجات.

- إحالة الكهرباء على التمويل الذاتي.
 

       كما لا بدّ من البدء بتجميد حصة العائدات النفطية المخصصة للموازنات اللاحقة للسنوات القادمة وتعويض حاجة الموازنة من الواردات غير النفطية، وإحالة الزيادات في أسعار النفط وكميات الصادرات إلى صندوق سيادي متعدد الأغراض لمعالجة سداد عجز الموازنة وتسوية الديون وحفظ حقوق الأجيال القادمة.


وبالنسبة لتفاصيل الموازنة يمكن تشخيص ما يلي:

  أولاً:  صادرات الإقليم ليس  (250.000) برميل يومياً, إذ أن إنتاج الإقليم يبلغ حوالي (700.000) برميل يومياً وإستهلاكه الداخلي هو حوالي (150.000) برميل يومياً، فالصادرات يفترض ان لا تقل عن (450.000) برميل يومياً (المادة-1- أولاً- ب).

     وهنا يجب البدء بإصلاح حقيقي في إحتساب الإستهلاك الداخلي ومبيعاته بإعتبارها جزء من الموازنة. ويجب على وزارة النفط الإتحادية ووزارة الثروات الطبيعية في الإقليم بيع النفط الخام للإستهلاك الداخلي بالأسعار العالمية مع خصم معين بالإستناد إلى قانون الإستثمار في مصافي النفط المعدل، ووضع المبالغ في حساب وزارة المالية وتحرير أسعار المنتجات النفطية والخلاص من الفساد والنهب الحاصل بين إنتاج البئر ومبيعات محطات بيع المنتجات. فإن الإستهلاك الداخلي يبلغ حوالي (150.000) برميل يومياً في الإقليم و(600.000) برميل يومياً في بقية العراق. وقيمة هذا الإنتاج بأسعار اليوم تساوي أكثر من (35) مليون دولار يومياً هي ضائعة على الخزينة وضائعة على الشعب, وفيها الكثير من الفساد وسوء الاداره.

      ثانياً: إن تخصيص أكثر من (7) تريليون دينار إلى الكهرباء – ومعظمها من الديون– ينبغي أن يتوقف عند نهاية سنة 2018 وتحول الكهرباء إلى مؤسسة أو هيئة تعتمد على التمويل الذاتي مع حق الإقتراض عند الحاجة، وتخرج نهائياً من الموازنة. ويفترض عند ذلك أن تكمل وزارة الكهرباء إحالة الجباية إلى شركات القطاع الخاص، وتحقيق الجباية 100% على الإنتاج.

  ثالثاً: بالإمكان في موازنة (2018) إلغاء تخصيصات البطاقة التموينية (3.1 تريليون دينار) والرعاية الاجتماعية (أكثر من تريليون دينار)، وإحالتها مع قسم من عائدات بيع النفط للإستهلاك الداخلي إلى المواطنين نقداً وبصورة مباشرة وللجميع على مبدأ الدخل الأساسي الشامل (U.B.I.).على أن يتم النص في قانون الموازنة لعام 2018 أن الدخل الأساسي الشامل سيشمل في المستقبل جزء محدد من عوائد النفط والغاز، تقرر نسبته في الموازنات اللاحقة، 2019 وما بعدها، لكي يعرف الشعب أن حقه في ثروات النفط والغاز بموجب المادة (111) من الدستور لن تبقى حبر على ورق.

     رابعاً: من غير المفهوم ذكر تخصيصات هيئة الحشد الشعبي ضمن تخصيصات رئاسة مجلس الوزراء (جدول النفقات- باب 3- 2- ب) والهيئة جزء من القوات المسلحة ويجب أن ترتبط مالياً بوزارة الدفاع. وكذلك تخصيصات حرس الإقليم (البيشمركة) (المادة -9- رابعاً) بأنها "نسبة من تخصيصات القوات البرية الإتحادية للجيش العراقي إلى قوات البيشمركة حسب النسب السكانية" إذ المفروض أن يكون لها مبلغ محدد في الموازنة. وتسمية "البيشمركة" لا أساس دستوري لها  ففي الدستور هي "حرس الإقليم".

خامساً: لقد آن الآوان لإحترام الدستور والتعامل مع المحافظات غير المنتظمة في الإقليم بنفس الطريقة التي يعامل بها الإقليم خاصة بعد تشريع قانون المحافظات المعدل ونقل الصلاحيات إلى المحافظات بما يشبه اللامركزية التي يتمتع بها الإقليم.ويتحقق كل ذلك باحالة تخصيصات الاقليم والمحافظات الى سلطاتهما مباشرة دون تدخل الوزارات الاتحادية.

كما لا يجوز ترك ما يسمى (بالبترودولار) من دون أرقام محددة (المادة -2- أولاً – 5). وهي أرقام كان يجب تحديدها مسبقاً، خاصة وأن هذه النسب قد تم التعامل بها في موازنة 2017.


 سادساً: لا يجوز تقديم جدول بالقروض بشكل عشوائي مفكك دون تحليل أو توضيح عن مجاميعها:

- داخلية.

- خارجية:     

  - منظمات دولية

 - حكومات

 -  شركات

     ينبغي أن لا يتم التعامل مع القروض (خاصة الخارجية منها) بهذا الأسلوب. فهي تحميل للآجيال القادمة. وقد بلغ تسديد الدين الخارجي والداخلي في هذه الموازنة (8.2) تريليون دينار ومجموع الديون حوالي (12) تريليون دينار، أي أن إستفادة الموازنة للعام القادم لا تتجاوز (4) تريليون دينار.وإذا إستمرت هذه الحالة سوف تصبح الديون عبئاً على الموازنات المستقبلية لا إضافة لها.

ومن المستغرب في المادة (24) "تخويل وزير المالية بناء على طلب من وزير النفط وبموافقة رئيس (مجلس) الوزراء إصدار سندات خزينة بمجموع لا يتجاوز (12) مليار دولار" (أكثر من 14 تريليون دينار) دون أن يكون ذلك الرقم الهائل جزءاً من أرقام موازنة الدولة التي من المفترض أن تصدر بقانون. هذا تجاوز على السلطة التشريعية ولا يمثل أي نوع من الشفافية أمام الشعب.

    سابعاً: المادة (21) بكاملها مرتبكة، وعلى الحكومة توحيد إستراتيجيتها تجاه ضرائب (أو ضريبة) المبيعات (V.A.T.) المعروفة عالمياً والمطبقة في أكثر البلدان بما فيها أغلبية الدول العربية. ولا يجوز أن يخول فرض هذه الضريبة بقانون الموازنة السنوية ، بل بقانون مستقر مع أسسه التحاسبية الواضحة ومبالغها التقديرية التي تدخل بعد ذلك في الموازنات السنوية. وبالتأكيد لا يكون ذلك من صلاحيات مجلس الوزراء التقديرية.

   ثامناً: القطاع العام:

 منذ أربعة عقود تحاول الدولة العراقية إيجاد حلول مناسبة للإنتقال من الاقتصاد "الإشتراكي" المدار مركزياً إلى إقتصاد السوق. وفي عام 1986 تم تصفية جميع شركات القطاع العام في الزراعة ببيعها. ونرى عودة زاحفة للقطاع العام على الزراعة وليس العكس.

      أما في قطاع الصناعة والتجارة والإنشاءات والخدمات، فكانت هناك خطوات خجولة مثل ما يسمى "بالقطاع المختلط".

     قامت الحكومة الإنتقالية بتكليف لجنة للخصخصة ولم ينجم عنها شيء. وقامت هيئة المستشارين عام 2012 بدراسة مطولة تمت المصادقة عليها في مجلس الوزراء, وجرى تكليف لجان للإنتقال إلى إقتصاد السوق بهيكليات معقدة ومراحل متعاقبة لإيجاد حلول تتجاوز عقود من الزمن لو طبقت ولكنها لم تطبق. وكررت الحكومة الحالية القيام بدراسات وتكليف لجان للإنتقال إلى إقتصاد السوق ومعالجة شركات القطاع العام، ودعم القطاع الخاص!.

     الوضع يتراجع ولا يتقدم. والقطاع العام يخنق المصارف بالسيطرة على أكثر من 80% من الصيرفة الداخلية و90% من التحويل الخارجي. كما أن شركات وزارة الصناعة تحاول الزحف على القطاع الخاص وخنقه. وتستغل الموازنات السنوية للمساعدة على تنمر الشركات العامة على القطاع الخاص من خلال إلزام أجهزة الدولة بالتعامل مع شركات القطاع العام بميزات إستثنائية تسمح لهذه الشركات بالتغول والفساد كما حصل في تخصيصات بناء المدارس في موازنات 2013، 2014، حين أحيل التنفيذ على شركات القطاع العام وسرقت الأموال من قبل "الشريك"المنفذ من القطاع  الخاص ولم تنفذ أي مدرسة.

 
 إن إتجاه المادة (25) بإعطاء ميزة (10%) "لمنتجات الوزارات" هي تعدي على القطاع الخاص. فإما أن تعطى هذه النسبة إلى كل الشركات المسجلة في العراق (بمحتوى محلي قابل للتدقيق)، أوأن تتم الحماية بنظام جمركي يحمي الإنتاج المحلي أو كليهما.

     تاسعاً: الأمن والدفاع

  أولاً: الهيكلية:

  ينبغي أن يكون إرتباط الحشد الشعبي، وحرس الإقليم (البيشمركة) وجهاز مكافحة الإرهاب، والفرقة الخاصة بوزارة الدفاع، بدل إرتباطها بمجلس الوزراء. كما يستحسن إلحاق جهاز الأمن الوطني بوزارة الداخلية لتجنب تداخل الصلاحيات وتعدد المرجعيات.ولا ضير في بقاء إرتباط جهاز المخابرات بمجلس الوزراء حسب تخصصها الدستوري الذي يوجب أن يكون جهاز المخابرات "تحت السيطرة المدنية – ويخضع لرقابة السلطة التشريعية".

 ثانياً: التخصيصات:

خصصت لمختلف أجهزة الأمن والدفاع (23.2) تريليون دينار في موازنة 2018. وبالرغم من أن العراق يخرج من حرب ضروس قد تكون فريدة من نوعها ومداها. إلا أن عام 2018 يجب أن يكون عام إنتقالي إلى الحكم المدني، والتخلص التدريجي من عسكرة المجتمع. فإن تخصيص نسبة 21.1% من الموازنة لهذه الأجهزة مقابل 3.9%  للتربية والتعليم و1.8% للصحة يعكس إعتلال خطير في أولويات الدولة للمستقبل.

عاشرا:

نستغرب ازالة فقرة ( ثانيا) من المادة (11) من المسودة الاولية,وفيها حق مكتسب للمناصب الانتخابية والوزارية للعودة الى وظائفهم السابقة وينبغي اعادتها الى قانون الموازنة بالنص التالي :

" تلتزم الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة باعادة تعيين اعضاء مجلس النواب والمجالس المحلية ومجلس الوزراء الذين تركوا وظائفهم نتيجة انتخابهم او استيزارهم ومن الدرجات الشاغرة نتيجة حركة الملاك خلال 2018".

 

 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): الإصلاح الاقتصادي في العراق 2015 – عدنان الجنابي ولؤي الخطيب - مركز البحوث والدراسات العراقية – mobdii.org.


 

 


 


مركز البحوث والدراسات العراقية
© 2013 جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير Mirage Telecom